يوسف زيدان
117
إعادة اكتشاف ابن نفيس
ونحوها ؛ فلذلك هو أشرف هذه العلوم ، وبعده ما ينظر في كلام الله تعالى ، وهو كعلم القراءات وعلم التفسير . وبعده ما ينظر في كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم وأفعاله وتقريراته ، وهو علوم الحديث . وهي تشارك علم أصول الفقه في النظر في هذه الأشياء ، وكذلك علم الجدل الفقهي . لكن نظر المحدّث في هذه الأشياء ، لإثبات صحة روايتها أو لفهم المعاني التي للقولية منها ، ونظر الأصولىّ فيها ، لتبيّن كيفية استنباط المسائل الفقهية منها ، ونظر الجدلىّ فيها لتبيّن كيفية الانتصار بها لرأى مجتهد في الفقه ، فلذلك هذه العلوم متقاربة في الشرف ، لكن علم الحديث أشرفها ؛ لأن سعيه لذات هذه الأشياء ولأنبائها بخلاف الأصولى والجدلي ؛ فإنهما إنما ينظران في هذه الأشياء ، ليتبيّنا كيفية استعمالها في شئ آخر . وأقل هذه شرفا الجدلي ؛ لأن مقصود الأصولى - وهو تعريف طرق استنباط الأحكام الفقهية - أشرف لا محالة من مقصد الجدلي ، وهو تعريف طرق الانتصار لرأى ما في تلك الأحكام . والأصول والجدل والفقه إنما تنتفع بكلام النبي صلى اللّه عليه وسلم وبأفعاله وتقريراته ، بعد ثبوت صحة ذلك بعلم الحديث ؛ لذلك كانت هذه العلوم جميعها مفتقرة إلى هذا العلم ، فهو أشرف منها بهذا الوجه أيضا . وقد أوردنا هنا كلام علاء الدين ( ابن النفيس ) بنصّه ، ليكون فرصة لتأمّل الوضوح المنهجي في تصنيفاته العامة . أما تصنيفاته الخاصة للفروع الطبية المختلفة ، فقد أوردها العلاء تفصيلا في مقدمة موسوعته الشامل حيث أفاض في أقسام الصناعة الطبية ومشتملاتها « 1 » ، فاستغرق ذلك عشرات الصفحات ؛ وهي مما يضيق المقام هنا عن إيرادها كاملة ، وإلا طال هذا الفصل بأكثر مما ينبغي له . ويضع العلاء قاعدة لتصنيف العلوم ، وهي - فيما نعلم - قاعدة مبتكرة لم يسبقه
--> ( 1 ) ابن النفيس : الشامل في الصناعة الطبية ( مخطوطة دار الكتب المصرية رقم 6057 / ل ) المقدمة ، الفصل الأول .